• Accueil
  • > شوف تشوف :حكومة جابها فراسو

شوف تشوف :حكومة جابها فراسو

رشيد نيني:

شوف تشوف :حكومة جابها فراسو niny

اللي ما قنع بخبزة يقنع بنصها، هكذا يقول المغاربة لكبير الكرش. لكن يبدو أن العنصر والمحجوبي أحرضان وحركتهما الشعبية كبروا كروشهم أكثر من اللازم إلى درجة أنهم لم ينجحوا في الحصول حتى على نص خبزة في حكومة عباس.
ولعل العنصر أحسن من تنطبق عليه تلك الوصلة الإشهارية التي اشتهرت بها ثريا جبران في تلفزيون دار البريهي عندما كانت تولول بسبب السرعة المفرطة التي كان يسير بها أحد السائقين وتصرخ :
- أناري جابها فراسو، أعتقو الروح أعتقو الروح…
والعنصر جابها فراسو فعلا عندما تصور أنه يوجد على رأس حزب عريق في مواجهة المخزن، وغلط في رأسه كثيرا عندما ساير المحجوبي أحرضان في هذيانه السياسي الأخير، خصوصا عندما طالب في اجتماع حزبي أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب بأن يخرجوا من حكومة عباس ويدخلوا في المعارضة. وهاهو العنصر يكتشف أن الزايغ أحرضان لم يدخل الحزب في المعارضة بقدر ما أدخله في الحائط. ولعل الوقت أصبح مناسبا الآن لكي تصور ثريا جبران، وصلة إشهارية للتلفزيون للتحسيس بمخاطر السرعة في السياسة.
من جانبه تلقى عباس الفاسي رسالة العنصر الغاضبة والمهددة بالخروج إلى المعارضة بفرح كبير، وكأنه كان ينتظرهم في الدورة. وبمجرد ما أنهى قراءتها قال لهم الله يربحكم بالمعارضة، فالمعارضة كون كان باقي فيها الخير مايفرطوش فيها الاتحاديين. وأخذ تلك الحقائب التي وزعها عليهم وأعاد توزيعها على الأحزاب المشاركة في الحكومة، وأخذ منها لنفسه ثلاث حقائب فأصبح عدد الوزارات التي سيسيرها حزب الاستقلال تسعة عوض ستة. زيد الشحمة فظهر المعلوف. وعندما علم العنصر بقبول عرضه الذي يهدد من خلاله باللجوء إلى المعارضة وسحب الحقائب التي نفخ عليها، أوشك أن يطيح كوما ويعلق الصيروم. فهو كان يتوقع في أسوأ الحالات أن يتم التفاوض معه كما هو الحال مع اليازغي. وعباس لم يكد ينتهي من مفاوضاته مع الاتحاد الاشتراكي حتى زاده العنصر هما على هم. وكما يقول المثل «مصاب القرد فين يبات حتى جاه الجمل طالب ضيف الله». ونسي العنصر أن الحركة الشعبية ليست هي الاتحاد الاشتراكي. فالاتحاد الاشتراكي على كل حال جرب المعارضة وعندما يتحدث عنها فإنه يعرف عن ماذا يتحدث بالضبط. أما الحركة الشعبية فحديثها عن المعارضة لم يكن أكثر من محاولة للتشبه بذلك الغضبان الذي يتعفر على عشائه ويسوط عليه لكي يطيب في نفس الوقت.
أما المحجوبي أحرضان فعندما قالوا له أنه أصبح في المعارضة أجابهم وعلامات الصدمة بادية على وجهه:
- آناري، مالي أشنو درت ؟
فأحرضان الذي ظل طيلة عمره المديد من الخدام الأوفياء للمخزن، وقبله للفرنسيين الذين كان ضابطا في جيشهم عندما كان مقاومو الاستعمار ينخرطون في جيش التحرير المغربي، لم يكن في يوم من الأيام يتصور أنه سيصبح مسخوط الملك وسيتحول من مساند رسمي وأبدي لكل الحكومات إلى معارض على آخر أيامه. فالمعارضة في نظر أحرضان وحزبه تهمة يجب تجنبها. وقد وقع لأحرضان ما وقع لذلك الرجل الذي صام الدهر كله وفي الأخير أفطر على جرادة. ولذلك سارع العنصر إلى كتابة استعطاف ورفعه إلى الملك لعل وعسى يغفر للشيخ أحرضان سوء الخاتمة هذه التي ورط فيها نفسه وورط معه فيها الحزب. وقد كان العنصر واضحا في رسالة استعطافه، فمن رابع المستحيلات أن يصبح حزبه في المعارضة، حتى ولو كان قدره أن يفقد مكانه في الحكومة. واش اللي فكرشو العجينة يقدر يدير شي معارضة.
ولعل الدرس الذي أعطاه القصر للعنصر وحزبه كان موجها أيضا إلى اليازغي وحزبه. والرسالة كانت واضحة، اللي ماعجبوش الحال يهز قلوعو ويكون راجل (على حد تعبير أحرضان) ويمشي للمعارضة. وبما أنه ما أكثر الرجال حينما تعدهم لكنهم في النائبات قليل (مع الاعتذار للشاعر على تغيير الأصدقاء بالرجال) فإن لا أحد من هذه الأحزاب المهددة باللجوء للمعارضة سيلجأ للمعارضة.
فالحكاية كلها مجرد «هدة» سياسية ونفخ للريش لتخويف الخصم والظهور بمظهر أكبر من الحقيقة.
لكن الدرس الحقيقي الذي يجب على الأحزاب استيعابه مما وقع للحركة الشعبية هي أنها يجب أن تجدد دماءها وأن لا تترك مصيرها بين أيدي عجائز وصلوا سن اليأس السياسي ودخلوا مرحلة الهذيان. ولعل ما قام به أحرضان وراء ظهر العنصر من مشاورات لفرض ابنه يوسف على رأس وزارة الطاقة جدير بأن يدرس لطلبة العلوم السياسية في باب السوابق الحزبية. فقد بادر أحرضان إلى إرسال لائحته الخاصة للملك دون علم العنصر، ووضع فيها الأسماء التي يراها جديرة بالحقائب الوزارية التي اقترحها عباس، وعلى رأسها ابنه يوسف. فاستحقت هذه اللائحة أن تحمل اسم لائحة يوسف وإخوته.
وكان أحرضان قد أصر على الذهاب مكان العنصر إلى الاستقبال الملكي الذي خص به القصر زعماء الأحزاب السياسية الفائزين في الانتخابات الأخيرة. وعندما خرج وسأله الصحافيون عن فحوى الحوار الذي دار بينه وبين الملك، قال باسما بأنه تحدث مع جلالته حول المستقبل. واش الراجل عندو خمسة وتسعين عام وباقي كايهضر على المستقبل. سير شد ليك شي تسابيح وتكمش حسن ليك.
لكن أحرضان لا يحب الحديث حول المستقبل فقط، وإنما يحلو له أيضا الحديث حول الماضي كذلك. ولعل حديثه عن الماضي هو ما جلب عليه غضب القصر في هذا الوقت المتأخر من العمر. خصوصا عندما تكلم غاضبا في مقر الحزب ليلة الجمعة حول نصيب الحركة الشعبية من وزيعة عباس، وكيف أن الحزب في الأوقات العصيبة هز البارود وطلع للجبال. واليوم على وزراء الحزب أن يكونوا رجالا ويرفضوا العروض الهزيلة المقدمة لهم ويطلعوا للجبل ثانية. وكأن الوزراء الذين سيقبلون بدخول الحكومة، حسب أحرضان، تنقصهم الرجولة.
والحقيقة أن ما ينقص أغلب المسؤولين في هذه البلاد هو القليل من المعقول. وقد ظهر هذا جليا عندما انقطع الكهرباء في البرلمان بينما الملك يلقي خطابه. فآخر مكان كان منتظرا أن ينقطع فيه الكهرباء هو البرلمان ساعة افتتاحه من طرف الملك. وفقد انشغل المسؤولون بصبغ الطروطوارات في شارع محمد الخامس وسياج البرلمان الحديدي وتقزيب أشجار النخيل، وتركوا مولد الكهرباء الذي يشتغل داخل البرلمان بالمازوط دون تغيير.
إن هذا العطب التقني الذي وقع في البرلمان أمام أنظار الشعب، يكشف عن الخلل الحقيقي الذي يعاني منه المغرب. هناك انشغال رسمي كبير بالزواق، فيما الأشياء الأساسية مهملة ومنسية. لقد زوقو للملك الطروطوارات في الشارع الذي مر منه، وغسلوا عتبة البرلمان بالجيكس الحرش، لكنهم نسوا الأهم، فانقطع الكهرباء في أول افتتاح للبرلمان من طرف الملك، فطلب الملك من الفقيه أن يقرأ شيئا من القرآن لينير هذه الظلمة، فصفق البرلمانيون بحرارة للملك لكي يبددوا الفزع الذي ساورهم طيلة الوقت الذي خيم فيه الظلام داخل البرلمان.
يبدو أنه ليست مولدات الكهرباء في البرلمان وحدها التي يجب تغييرها، هناك طبقة سياسية بكاملها يجب أن تتغير، لأنها لازالت تشتغل بالفحم الحجري في زمن لم يعد فيه مكان لمثل هذه الطاقات البدائية
.

Laisser un commentaire