• Accueil
  • > الدكتور المنجرة : الإصلاح مستحيل والمخزن جبان

الدكتور المنجرة : الإصلاح مستحيل والمخزن جبان

الدكتور المنجرة : الإصلاح مستحيل والمخزن جبان

الدكتور المنجرة : الإصلاح مستحيل والمخزن جبان

حكيمة أحاجو/أسبوعية المشعل

كعادته دائما بدا الدكتور المهدي المنجرة ساخطا على الوضع المغربي على مستويات عدة، أهمها الظروف التي مرت فيها الانتخابات التشريعية الأخيرة والتي يرى أن مجرد الحديث عنها بالنسبة إليه شيء هامشي، واصفا إياها بالمهزلة، هذا بالإضافة إلى أشياء أخرى ستجدونها في هذا الحوار

- ما هو تقييمكم للانتخابات التي عرفها المغرب مؤخرا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار نسبة المشاركة التي لم تتعد 37 في المائة؟

موقفي بالنسبة لهذه الانتخابات مثل الانتخابات السابقة لا يخص الكم وإنما الكيف، لكن في هذه الحالة صار هناك انسجام بين الكيف والكم، فهذا العدد البسيط الذي هو أقل بكثير من 30 بالمائة إذا أضفنا إليه عدد الأصوات الملغاة سنحصل في الحقيقة على أقل من 25 بالمائة وهذا رقم لم يثر استغرابي، فبعد انتخابات 2002 صرحت بأن المشاركة التي قالوا إنها تعدت 57 بالمائة لم تكن لتتعد 30 بالمائة، ما يهم هو أن هذه الانتخابات أساسها الدستور وهذا الأخير ممنوح.

- ترجعون السبب إلى الدستور الممنوح؟

الدستور جزء منه، وبالنسبة لي شخصيا لم أصوت يوما، ولم أعترف يوما بذلك الدستور ولأسباب قوية، ففي يوليوز سنة 1960 أي منذ 47 سنة، اتصل بي الراحل محمد الخامس، رفقة أحمد عصمان وعبد اللطيف الفيلالي وأناس آخرين، وكان معنا أيضا الأستاذ محمد عواد رحمه الله مدير الديوان، وقال لنا، اتصلت بكم لتحرروا الدستور، ولما خرجنا من الاجتماع قلت لسي عواد « من فضلك إذا قلتم إني عضو في هذه اللجنة سأكذب الموضوع، وبعد ذلك هاجرت، إذن هذا الموقف عندي مبدئي.

الانتخابات الأخيرة كانت مهزلة، تصوري بلدا عدد سكانه يفوق 30 مليون بما يقارب ثلاثين حزبا، هذا شيء مبتذل، هذا لعب أطفال، تقسم لكي تسود، تقسم لكي لا يتمتع أي حزب بالأكثرية، بالإضافة إلى طريقة التصويت، كما أن هناك عناصر أخرى لا علاقة لها بشرعية هذا أو ذاك، لعل أهمها الفقر الذي أبعد مسألة الانتخابات عن تفكير الناس المهتمين بإكراهات اليومي كفاتورتي الماء والكهرباء، بشكل جعل البلد مقسما إلى طبقتين، واحدة تعيش على ظهر الأخرى، مع أن نسبة الأولى لا تتجاوز 10 بالمائة.

- كيف تلقيتم تعيين عباس الفاسي وزيرا أول؟

عندما يكون الدستور ممنوحا، تكون كل الأشياء الأخرى ممنوحة، وليس لك حق الاعتراض، تستعملها وفق مزاج الذي منحك إياها، لهذا لم أحلل في كتبي وفي قراءاتي، الأشياء وفق الأشخاص، لأنهم مرهونون بفترة زمنية وسينسون، خصوصا في الدراسات المستقبلية، الأشخاص يمرون وينسون لكن المبادئ والإشكاليات تبقى.

- يتفق الكثيرون على القول بأن المغرب يوجد في مفترق طرق، وبالتالي لابد من هذا السؤال: هل المغرب في حاجة إلى وزير بمواصفات عباس الفاسي؟

إننا في مفترق طرق منذ أربعين عاما أو يزيد، بل لقد قيل هذا الكلام منذ سنة 1951 أي قبل الاستقلال، نحن دائما في مفترق طرق، كل طرقنا هي مفترقات طرق، وبالنسبة للمغرب، أفضل عدم الحديث عن الأشخاص، وبالنسبة لي الكلام عن هذه الانتخابات نفسها شيء هامشي، مقارنة بالمشاكل الحقيقية التي يواجهها المغرب، نحن بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية، وليس إلى ديمقراطية ممنوحة، ولكن المؤلم هو أن الأحزاب صاحبة الماضي المشرف، والتي حاربت من أجل استقلال حقيقي ومن أجل ازدهار الشعب، دخلت في هذه اللعبة وقبلت بشروطها فصارت الآن أقلية

Elmandjra

- تابعت أحداث مدينة « صفرو »، ألا ترى أنها بداية لعودة الثورات الاجتماعية بالمغرب؟

لم أكن شخصيا في مدينة صفرو، تابعت بعض الأحداث من خلال التلفزيون، و بعض المقالات في الصحافة المكتوبة، وطبعا إنه شيء مؤلم، لأن المغرب كان دائما يفتخر بأنه استثناء، وطالما رددوا بأن المغرب بلد السياحة والتسامح وأن المغرب كذا وكذا.

الحمد لله أن جزءا من هذا الكلام صحيح، لكن لا يمكن للإنسان أن يعتمد عليه، وأنا منذ سنين قلت إن المغرب لن يبقى له هذا الاستثناء، لأن الشعب لابد أن ينفجر؛ كتبت في سنة 2000 في كتابي « انتفاضات » بأن الانتفاضات قادمة لا محالة إلى العالم الثالث، وسألني شخص مهم، هل المغرب داخل في إطار ما قلت؟ أجبته نعم، المغرب هو الآخر سيعيش انتفاضات إذا أضعنا الطريق، فعندما كنا مستعمرين، كانت هناك انتفاضة بعد بضعة سنين من الاستعمار، ولهذا يجب على قارئكم وأنت شخصيا كصحفية، أن تدركي أن الإنسان عندما يتكلم على مستوى المستقبل والمستقبليات يحلل الأشياء على مدى عشر أو عشرين بل ثلاثين سنة على الأقل، وليس على مستوى ما حصل الأمس وما سيحصل في الغد أو مساء هذا اليوم، إنها المنهجية المستقبلية التي ستمكننا من الاشتغال بثلاث مسائل وليس أكثر، المسألة الأولى هي بقاء الأشياء كما هي، و الثانية هي ما يسمى بالمشهد الإصلاحي، والثالثة هي القطيعة، هل يمكن أن تبقى الأشياء كما هي؟ هذا غير ممكن، ذلك أن الاستقرار في مثل حالتنا يعني المزيد من التخلف، إذا كان المقصود بهذه الانتخابات القيام بإصلاحات، فهي ليست كذلك، ففي فترة حكم الأحزاب التي كانت لديها المصداقية، إن الفوارق الاجتماعية تعقدت، وفي كل سنة تزداد الفجوة اتساعا، وبسرعة مُطَّرِدة، بين الفقير والغني، وذلك بشكل لا يُمكن للإنسان تصوره، لنأخذ مثلا عام الاستقلال (1956) فقد كان هناك 10 بالمائة من الأغنياء في المغرب، وإذا قَارَنَّا معدل دخل فئات السكان فسنجد أن الفرق كان من 1 إلى 15 أو 1 إلى 20، أما اليوم فالفرق يمتد من 1 إلى 100، إذن لا شك أنّ هناك عناصر أدت إلى هذا الوضع، فعن المنع مثلا من حرية التعبير، أنا الذي أتحدث إليك منعت 11 مرة عن التدريس بالجامعات وأنا أكبر أستاذ جامعي في هذه البلاد، إذن هناك فرق بين لغة الشعارات والواقع، والمشهد الإصلاحي كان من الممكن حصوله قبل 5 سنوات، ثم إنني لا أظن أن الإصلاح ممكن بالطريقة الممنوحة، لأنه شبيه بعملية جراحية وكلما تأخرنا في إجرائها إلا وقلت فرص نجاحها، وكلما تأخرنا إلا وأدينا ثمن ذلك مضاعفا، أنا لست متشائما لكني أظن بأنه سيأتي وقت سيتغير فيه هذا المفهوم المخزني وأننا سنختار الملكية الدستورية، والمهدي المنجرة حين يتكلم هكذا فلأنه ملكي، أنا أدافع عن الملكية كمؤسسة لأن لديها مصداقية وصفة، ولديها مهمتها في التاريخ وفي الاستقلال، وهذا كله إرث يجب استغلاله، لكن في ظل ملكية دستورية، إن الملك يشتغل بأشياء مهمة للبلاد مع ضرورة أن يكون للحكومة دورها، لأن الحكومة الحالية لا دور لها، وإذا لم يأت الإصلاح في الوقت المناسب فسنؤدي ثمنا غاليا.

- إذا ما تأملنا أحداث صفرو الأخيرة، ألا ترى أن التاريخ يعيد نفسه بعد أن خرج المغاربة بنفس المطالب التي رفعوها سنوات 1981 و1984 و1990 ؟

لا.. لا مطالب اليوم بالنسبة لمطالب الثمانينات ثانوية، هناك فرق، فوضعية الثمانينات عرفت تناقضا كبيرا لأنه كانت هناك معارضة، اليوم لا وجود لهذه الأخيرة، أنت ترين أن ثلاثة وثلاثين حزبا كلها متشابهة، وتمتهن الصمت، ما هي برامجها؟ ولا واحد منهم يتكلم عن السياسة الخارجية، أو الدفاع أو عن الجيش، إذن هناك عدة نقاط غير مسموح للأحزاب بالاقتراب منها.

- كيف نُموضع إذن هذه الثورات التي اندلعت في فكيك، خنيفرة، صفرو.. ألا تلاحظ ثورات سياسية مبطنة بما هو اجتماعي؟

لا.. لا، هي قبل كل شيء اجتماعية وثقافية، أي أن الأمر يتعلق بمسألة القيم، وأنا أتكلم عن التغيير الجذري وليس الثوري، التغيير في المفاهيم، التغيير في المعاملات، التغيير بما يؤدي لحدوث العدالة الاجتماعية، إن كارثة الكوارث في المغرب منذ الاستقلال تتمثل فيما ما سُمي بالإصلاح التعليمي، إن الجامعة المغربية تحتضر، وأقولها بكل أسف، لم يصل المستوى الجامعي في السلك الثالث فيما يرتبط بمستوى إتقان اللغات سواء العربية أو أية لغة أخرى، ما وصل إليه اليوم من تدهور، لدرجة أن طالب الجامعة لا يمكنه أن يصل إلى مستوى تلميذ البكالوريا منذ عشرين سنة، المشكلة بالنسبة لي هي اننا لا نتوفر على رؤية، فإلى أين نحن ذاهبون؟ على أي أساس؟ وبقرار من؟

إننا لا نتوفر على برنامج حقيقي وإستراتيجية للتنمية، وحتى برنامجنا التنموي منقول ومستنسخ عن النماذج الخارجية، إما عن البنك الدولي أو الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا… وهذا هو الخطأ الكبير.

- تحدثت قبل قليل عن الأحزاب المغربية والعديد من الملاحظين يجمعون أن هناك تبادلا للأدوار بينها وبين الدولة، بمعنى أنه بعدما كانت الأحزاب تطالب بنزاهة الانتخابات، حصل العكس خصوصا في التجربتين الأخيرتين؟

ليتني كنت مسرحيا لأجيبك على هذا السؤال.. القول بأن الدولة تطالب بالنزاهة يعتبر في نظري مسرحية.

- ماذا تقصد ؟

الأمر مجرد مسرحية، فالدولة مساهمة في الخروقات، فمن قسَّم الأحزاب إلى ثلاثة وثلاثين حزبا؟ ومن وضع التقطيع الانتخابي بتلك المواصفات؟ ومن وضع النظام الانتخابي؟ ومن قام بحساب الأصوات في المناطق النائية التي لم يكن بها ملاحظون، حتى من طرف بعض الأحزاب؟ إن انعدام المصداقية تلخصه العبارة القائلة « اليد الواحدة لا تصفق ».

- في كتابك « الإهانة »، قلت « لن يحدث التغيير دون أن ينطلق من أنفسنا لأن درجة الإهانة تساير مباشرة تساهل وفتور وخنوع الجماهير »، إلى أي حد تنطبق هذه المقولة على المغرب؟

إنها تنطبق مائة بالمائة، وبعد الانتخابات الأخيرة أصبحت تنطبق مائة وخمسين بالمائة، لا أتكلم عن العنف وعن الثورة بهذا الشكل، أنا من الطلبة الذين آمنوا بشخص مثل غاندي، أشهر شخص كان ضد العنف كوسيلة للتغيير، أكبر شرف في حياتي هو أنه خلال الذكرى المئوية لرحيل غاندي كنت في نيودلهي مع رئيس الجمهورية والوزيرة الأولى وكنت من الذين تكلموا عن غاندي، إذن لا يمكن أن أدافع عن العنف كوسيلة، لكن الثورة والانتفاضات أنواع، وأظن أن الأساس هو عدم توفرنا على أحزاب سياسية بالمفهوم الحقيقي، لأنها صارت جزءا من منظومة، اندمجوا فيها، ونسبة 85 بالمائة من الشعب مهمشة ليس لها دور، وحينما تكلمت عن الإهانة قلت إن هناك إهانة على ثلاثة مستويات، إهانة رؤساء دول العالم الثالث من قبل الدول القوية، والثانية هي أن هؤلاء الرؤساء يهينون بدورهم رؤساء الحكومات وأعضائها، ولكن أصعب إهانة هي الإهانة الشخصية، انظري إلى ما يحصل في فلسطين ولبنان، إنها إهانة جماعية لكل الشعوب العربية التي لم تعد كما في السابق أي ما كانت عليه في ستينيات القرن الماضي.

1432971

- في لقاء لك مع قناة الجزيرة القطرية، صرحت بأنه ليس هناك مجتمع مدني في العالم العربي والإسلامي، إلى أي حد ينطبق هذا الكلام على المغرب؟

ينطبق عليه مائة بالمائة، غير أنه يوجد استثناء، حيث نجد نوعا من المجتمع المدني الإسلامي خصوصا في آسيا، لا سيما في ماليزيا.

- ولكن بالنسبة للنموذج المغربي هناك نماذج رائدة في هذا الميدان؟

لا هناك فئات تحاول أن تحارب فتقبل بعدة أشياء لا يتم قبولها في البلدان الأخرى، أين المجتمع المدني الآن؟ ما هي مواقفه من بعض الأمور الأساسية مثل حرية التعبير؟ فمثلا حتى في تظاهرة المليون التي خرجت إلى الشارع تضامنا مع العراق كانت غير منظمة، فالمجتمع المدني يجب أن يكون منظما وأن يكون ذا مصداقية، وأنا بدوري حاولت أن أساهم في النهوض بهذا المجتمع حسب إمكاناتي، لكن ماذا يحصل لما نرى جمعية تدافع عن حقوق الإنسان ومدى ما تتعرض له يوميا من مضايقات وهي تحاول الدفاع عن هذه الحقوق؟ أستسمح وأقول هناك شكل من المجتمع المدني في المغرب ولكن الجزء غير المخزني منه يمثل القلة، فهل تظنين أنه لو كان لدينا مجتمع مدني، ستحصل هذه المهزلة التي نراها في التلفزيون يوميا؟

- بمثل هذا التصريح ألا يخاف المهدي المنجرة من إغضاب جمعيات تشتغل في هذا الميدان؟

أنا لا أخشى إلا نوعين من الغضب، الأول غضب والدي رحمهما الله وأنا مرضي، وغضب الله، أما غضب العبد فلا أخشاه، ليس لدي شيء للبيع أو المساومة، أنا لا أملك أراضي أو عمارات، ليست لدي كنوز في الخارج، وأنت كصحفية، ياريت لو قارنت بين غضب هؤلاء الناس ومحبة الشباب لي، أنا أخشى غضب هذا الشعب وأخشى غضب الشباب ولا أخاف غضب مثل تلك المنظمات التي تتكلمين عنها.

- أين وصلت حركة « باركا »؟

« باركا » لم تكن حركة، لأنها حكاية بسيطة جدا، وقتلها خلال المنع التاسع أو العاشر في تطوان، فبعد أن منعوني قلت بعض الكلمات عن سبب منعي من إلقاء المحاضرة، وخلال ذلك اللقاء قلت بشكل عفوي « وباركا باركا باركا » أين أنتم، وأين نضالكم؟ وفهم الناس أنها حركة على غرار حركة « كفاية » في مصر، وطُلب مني فيما بعد، أن نؤسس جمعية مثلها، أنا ليس لدي أي طموح سياسي، ولن أستغل فكرة مثل « باركا »، والعديد من الناس طلبوا مني تحويلها إلى جمعية، فرفضت، إذ يكفيني أن يقول كل شخص في نفسه « باركا »، لذا فهي ليست حركة أو حزبا، وليس لها رئيس شرفي ولا تتوفر على ميزانية، المهم بالنسبة لي هو المفهوم: أن يقول الناس « باركا ».

- على إثر حديثك عن المنع، هناك من قال بأنك غير ممنوع، وإنما تدعي ذلك لاستدرار العطف؟

لدي الحجج التي تؤكد قولي، ويكفي أن تدخلي إلى موقعي على الانترنيت لتتأكدي من ذلك، ما يقارب 11 منعا، وفيه صور لتدافعي في إحدى المرات مع رجال السلطة، ليفسحوا لي المكان الذي كنت سأحاضر فيه، وآخر منع لي كان في فاس مرتين خلال نفس الأسبوع، واسألي الأطباء الذين مُنعت من الحديث في مؤتمر جمعيتهم بفاس، وكنت سأتحدث فيه عن مستقبل الصحة بالمغرب. إن المخزن جبان، ولحد الآن لا أعرف من منعني ولأي سبب؟ ولا أملك الجواب، ومن قال مثل هذا الكلام فليأت لزيارتي وسأقدم له الحجج، ولماذا أشحذ عطف الناس؟ ومن قال مثل هذا الكلام فليمتلك الشجاعة وليكتبه؟

- جاء هذا الكلام في أحد الأعمدة بصحيفة الاتحاد الاشتراكي؟

الاتحاد الاشتراكي « حشاك »، كان الاتحاد الاشتراكي زمان، وماذا قالوا؟

- في زاوية من يوم لآخر بالضبط؟

ولقد سبق لي أن صرحت بأن هناك شخصين يجب أن يحاكما محاكمة جنائية هما وزير الثقافة ووزير التعليم.

- ولماذا يجب أن يحاكما؟

ما دمت طرحت هذا السؤال فلا حق لي في الإجابة، لأنه إذا كان التساؤل مطروحا حول أفعال وزارة الثقافة المشلولة، وزارة الثقافة الحقيقية هي السفارات الفرنسية واليابانية والإسبانية والبريطانية.. وإذا سألت عن السبب في محاكمة وزير التعليم، فاذهبي وأنت على بعد مائتي متر من الجامعة واسألي الطلبة عن وضعية الإصلاح الذي يتحدثون عنه.

- تقصد أن الوضع التعليمي كارثي  » أو صافي « ؟

« معلوم ».. إن برامج الإصلاح كارثية، بل تعتبر أكبر كارثة في هذا البلد، والفرق بينها وبين الكارثة الاقتصادية والصناعية، هي أن هذه الأخيرة يمكن أن تصلح خلال سنة أو سنتين، أما الإصلاح التعليمي فسيؤدي المغرب ثمنه على مدى 15 أو عشرين سنة على الأقل.. على كل، إذا أجبتك عن السؤال فسأعطيه مصداقية لا يتوفر عليها.

- كل القطاعات الآن في المغرب تعيش أزمات ونحن نعيش أحداث انتفاضة صفرو التي سبقتها انتفاضات في الحسيمة، ما هو سياق هذه الانتفاضات؟

هذا شيء طبيعي، فإذا عدنا إلى التاريخ أيام الحماية، وتتبعنا كيف انتقلت الثورة ضد المستعمر من مدينة إلى أخرى، سنجد أنها علامة تدل على أن الوضع وصل إلى درجة لا يمكن أن تطاق، وكل الصحف الناطقة باسم الأحزاب تتحدث عن الديمقراطية المغربية، بشهادة غربية، أي أنها تستشهد على ديمقراطيتنا بشهادات أجنبية، والعالم العربي لم يعرف لأبدا انتخابات حرة باعتراف الجميع، باستثناء انتخابات 1991 بالجزائر وحماس في غزة، أما البقية كلها غش وتلاعب بما فيها الانتخابات الأخيرة.

- بما فيها الانتخابات الأخيرة؟

نعم بما فيها الانتخابات الأخيرة، التي شارك فيها ثلاثة وثلاثون حزبا سياسيا، بتقطيع انتخابي يمنع من حصول أي حزب على الأغلبية المطلقة.

- هل تم تزوير الانتخابات لطرف ما؟

لطرف مجهول، و25 في المائة من المغاربة الذين شاركوا، وقد سبق لي أن قُلت في محاضرة بالمحمدية سنة 2001 بأن هذه البلاد قُسمت إلى 16 جهة في عهد البصري وإلى 16 حزب سياسي، وقلت أيضا إن الستة عشر حزبا لن تحصل على 16 بالمائة من الأصوات، لقد حولوا الأحزاب إلى رخصة مثل « كريمة الطاكسي » يتصرفون فيها وفق أهوائهم.

- تأكد من خلال نتائج الانتخابات الأخيرة، أن الأحزاب لا تمثل القاعدة العريضة من الناخبين بالمغرب فمن يمثلها إذن؟

لا أنا ولا أنت ولا أي حزب، هذه هي الفوضى الحقيقية، هذا هو الخطر المحدق لأن الفضاء السياسي يعيش فراغا يؤدي إلى الفوضى، كيف؟ ذلك ناتج عن غياب من يمسك بزمام الأمور، وأيضا لغياب السائق البارع.

- إذن المغرب يمشي بدون بوصلة؟

نحن سائرون بدون رؤية، وهذا أفدح من مجرد عدم التوفر على البوصلة، إن قيادة بلد ما في نظري تشبه قيادة سيارة، فهل نحن من يقود المغرب واقتصاده؟ وهل نحن من يضع السياسة الداخلية للبلاد بما في ذلك الأمن؟

نحن نركب سيارة ليس لها فرامل، وبلا ماض، كم لدينا من المؤرخين المغاربة المتخصصين في التاريخ المعاصر؟ ما نوع الكتب التي تُدرَّس في مدارسنا؟ وهل لها ارتباط بماضينا ومستقبلنا أيضا؟ إنه يوجد في أيدي المصالح الأجنبية، لقد تمت خوصصة كل شيء ولم يبق إلا البشر

 

 

m-Elmandjra11

- أغلب الأحزاب تقول بأن الاستقرار الحقيقي في المغرب قائم على الملكية، هل هذا صحيح؟

هؤلاء الذين يقولون كل شيء في البلد بيد الملك أين هي أقدامهم؟

- بمعنى؟

إنهم مغموسون في النظام الذي قبلوا به سياسيا، فكيف يمكن أن يقولوا بأن كل شيء بيد الملك وأقدامهم غائصة في وحل المخزن.

- الجميع يتحدث عن فقدان العمل السياسي لمصداقيته، فإلى أي حد يمكن أن يُؤدي هذا الوضع باعتبارك عالم مستقبليات؟

هناك فرق بين « الشوافة » وقارئة الفنجان، والذي يعمل بمجال الدراسات المستقبلية، وهي ليست علما دقيقا، وإنما هي دراسة للتيارات بما يُشبه تتبع أحوال الجو، لكن الطريقة التي نتتبع بها الأحوال على المستوى الشهري تختلف عن الطريقة اليومية، أنا لست عللم غيب، ( ولا زلت أتذكر النصيحة التي أسدى لي بها أستاذي ) الذي أعطاني عندما خلفته كرئيس للاتحاد العالمي للدراسات المستقبلية، هذه النصيحة هي:  » أتدري ما هو الفرق بين المستقبلي الحقيقي وغير الحقيقي « ؟ قلت:  » لا « ، فقال لي:  » غير الحقيقي هو الذي يهتم بالمستقبل الذي سيعيش فيه والذي يفتقد للمصداقية، ولكن المستقبلي الحقيقي هو الذي يعتني بالمستقبل وهو على يقين أنه لن يعيشه « . إن الدراسات المستقبلية هي الرؤيا، وهنا تجدر الإشارة إلى وجود ثلاثة مشاهد، أهمها الاستقرار وهو في حد ذاته لا استقرار، لأن الاستقرار في البيولوجيا يعني الموت، إن الإصلاح في نظري في ظل الظروف الراهنة غير ممكن، لقد فات أوانه.

- كيف فات الوقت عن الإصلاح؟

الإصلاح شبيه بالعملية الجراحية، وكلما تأخر إجراؤها كلما استحال نجاحها.

- إذن الوضع مأساوي في المغرب؟

لا، أبدا إنه أبيض من الثلج، إن ما يفهم على أنه قمة التشاؤم عندي هو في الحقيقة بداية تفاؤلي.

كيف ذلك؟

عندي أمل أنه التغيير حتما سيقع وأن هناك إرادة لإحداثه، وأن الوضع لن يبقى كما هو عليه.

- بإرادة سياسية؟

لا يمكن أن تكون سياسية.

- من طرف من إذن؟

من طرف الملكية، لأنها في حاجة لذلك لضمان بقائها، ويجب ألا ننسى بأننا اليوم نتكلم من فراغ.

- لماذا قلتم بصعوبة الإصلاح إذن؟

لأن حركة التغيير التي جاءت عقدت الأمور أكثر مما كانت عليه من قبل، وكدليل على ذلك فإن عدد الأمنيين الآن بالمغرب هو أكثر مما كان عليه من قبل، ونسبة الفقر استفحلت، ووضعية التعليم من أفلس ما يكون، وكذلك الأمر بالنسبة للصحة.. فرغم ازدياد عدد السكان هناك فجوة بين الغني والفقير، وكذلك القضايا الأمنية… إذن هناك عدة مؤشرات وليس مؤشرا واحدا، لأن الشعب فهم بأنهم اختاروا فرقة بتوافق بينهم وشرعوا في اللعب وهم على يقين أن لا أحد يتابعهم.

- تحدثت من قبل عن غياب المعارضة في الوقت الراهن، من يمتلك الأهلية للقيام بهذا الدور؟

أولا وقبل كل شيء، التحرر يجب أن ينطلق من الأفراد، فالفرق بين الحركة الوطنية من قبل والأحزاب السياسية فيما بعد، هو أن مسيري الأحزاب، كانوا في فنادق خارج البلاد، موزعين بين باريس والقاهرة ومدريد وسويسرا، ولكن الناس أخذوا الأمور على عاتقهم وهذا هو أساس التغيير، إنه لا يقع في منطقة واحدة وإنما في مختلف المناطق، فالمكلفون بتوعية الشعب صاروا جزءا من اللعبة، ماذا يحدث اليوم؟ البيع والشراء في بني أدم.. اليوم الأصوات تباع وتشترى والوزارة تباع وتشترى كذلك.

- الإنسان يباع ويشترى في السوق، كيف؟

مثلا عندما أرغب في الحصول على مكانتي في حزب ما، أدفع مقابل ذلك بطريقة أو بأخرى، والدفع لا يكون دائما نقدا.

- الأحزاب المغربية كانت تطالب بإصلاحات دستورية بعد الاستقلال، في حين أن أمين عام الحزب الفائز اليوم بأكبر عدد من المقاعد يقول أن برنامجه هو الخطب الملكية، كيف جاء هذا التحول الكبير؟

كلامك صحيح في شهر ماي سنة 1960 لم تكن لدينا أحزاب معارضة وإنما حركات، حركات الاستقلال، ثم الحركة التي أعطت المنفصلين عنها أي الاتحاد الاشتراكي، لكن بعد الستينات، انتهت التجربة التي كانت حقيقة تجربة لانطلاق المغرب، حين كانت الأحزاب قريبة من الشعب، ولما انكسرت التجربة، واستحوذ المخزن على الحكم، هناك من ذهب مع التيار الذي يحفظ مصالحه، إذن هناك فرق بين الحركة والحزب السياسي، الحركة لديها طموح سياسي واحد وهو الاستقلال، وهذا متفق عليه، والكل مستعد للتضحية من أجله، أما الحزب فله مؤسسات وشروط ولجن وقوانين وتحذوه الرغبة في الوصول إلى الحكم، إذن ما الحزب السياسي في العلوم السياسية؟ يمكن لأي أحد أن يجيبك بأنهم مجموعة من الناس يهدفون إلى الوصول للحكم من أجل تطبيق برنامجهم.

- كيف ترى النقاش الدائر بين الأمازيغيين والعرب؟

من حق الإنسان أن يتبع لغة والديه، ففي سنة 1979، وفي برنامج « سمر »، صرحت بنفس مضمون هذا الكلام، وبعد شهرين من هذا التصريح أمر الحسن الثاني البرلمان بوضع كرسي للأمازيغية.. أعرف المشاكل التي تطرحها اللغات، لأنها لا تبقى كوسيلة للتعبير فقط وإنما هي جزء من الجينات، فلو أعطيت الحقوق للأمازيغيين منذ ذلك الوقت، أي منذ حديث الحسن الثاني لوجدوا اليوم الأساتذة والكتب ولكتبت اللغة الأمازيغية بالحرف العربي لأنه حرف القرآن، وبما أن الأمور تتناسل وأيضا السياسيين  » خاصهم فاش ينقبوا « ، تطورت الأمور إلى درجة نزاع سياسي، وعلال الفاسي كان يتكلم الأمازيغية.

- ولكن عباس الفاسي معروف بموقفه العدائي من الأمازيغية؟

 » هداك شغلو « ، وعلى كل حال لم يعرف المجتمع المغربي العنصرية إلا بعد الاستقلال، فلولا الفقيه السوسي لضاعت اللغة العربية، فمن كان يتكلم العربية ويتقنها؟ إنهم الأمازيغ ومنهم محمد شفيق وعبد السلام ياسين ثم أحمد غزال.

- لماذا فشل المغرب في الإصلاح ؟

الإصلاح أنواع، ولكي لا أكرر نفسي فقد تحدثت عن اللجنتوقراطية، لأن دورها استشاري مثل لجنة المدونة ولجنة الإصلاح التعليمي … هذه اللجن تشتغل وتقدم نتائجها للملك الذي يرسلها بدوره إلى البرلمان، هذا الأخير يصوت عليها بدون مناقشة، إنها طريقة غير صالحة طبقها ليوطي وانتهى وقتها، والإصلاح الحقيقي هو الذي يكون مصدره الشعب.

- هل يمكن الحديث عن إصلاح بعد مرور ثمان سنوات على ما سُمي بالعهد الجديد؟

الأشياء كلها اختزال وأنا لم أومن يوما بالتغيير المرتبط بالشخص، لأن المسألة في نظري هي عبارة عن منظومة.

- ما السبيل إذن؟

ليس لدي حل سيدنا سليمان، لكن أظن أن هناك شيئا إيجابيا في الانتخابات الأخيرة، وهو أنها « عرات على اللاص »، فكم من أمر سلبي يكون انطلاقة نحو الإيجابي، منذ صغري لم أتفاءل مثلما أنا عليه اليوم، وأستعير صيغة كانت تستعمل في الشعر الجاهلي، وهي قولهم  » أبيض مثل الفحم وأسود مثل الثلج « ، وفي اعتقادي إن الانتخابات الأخيرة ستكون فاتحة خير، لأنه لو كانت لنا الإمكانية للاطلاع على الأرشيفات لوقفنا على ما كتبه الناس على ظهور أوراق الترشيح، هذه حقيقة جديدة، ولو تأملنا الأصوات البيضاء الملغاة وماذا كُتب على ظهورها ستجد أن تفاؤلي منطقي.

 

 

Laisser un commentaire