Archive de la catégorie ‘Non classé’

محمد السادس ملك الفقراء فضيحة أم فضيلة؟

Dimanche 21 décembre 2008

محمد السادس ملك الفقراء فضيحة أم فضيلة؟

محمد مقصيدي


ماذا يعني ملك الفقراء؟ إنها لا تعني حتما مصافحة الفقراء في الشارع بين الفينة والأخرى أو تقبيل الأطفال الذي نصفهم على الأقل ينتظره مشروع شحاذ.

 

أين المغرب الذي هو في ملكية الفقراء ؟؟؟ لماذا لا يعين الملك وزيرا فقيرا أو سفيرا فقيرا أو على الأقل يضع أحد الفقراء على رأس مؤسساته الخيرية الكثيرة . إنه مغرب أونا الملكية وعائلات محسوبة على رؤوس الأصابع

 

الذين أطلقوا العنان لمخيلاتهم في تشكيل لغة جديدة تليق بملك جديد ، وقعوا في فخ اللغة وبين أنيابها ، وبدل تدجينها كما يفعلون بسهولة مع الشعب المغربي فقد استطاعت تدجينهم بل طرحتهم أرضا ومسحت بهم كل التراب . عادة ، الحاكم العربي ترافقه الكثير من النعوت والأوصاف والصور الرمزية الذي يصنعها محيطه وذلك وفق استراتيجية معينة تساير مناخ سياسي وثقافي عام ، هذه الصورة هي التي تسوق كاريزماتية القائد وهالته .

 

 ومن الطبيعي أن تكرر كل وسائل الإعلام الرسمية وكل متون التواصل الرسمي بالمناسبة وبدون مناسبة هذه الصورة وهذه اللغة حتى تجعلها حقيقة في أذهان الشعب ، فمثلا عندما اختلقت الحركة الوطنية قصة ظهور محمد الخامس في القمر لتهييج مشاعر المغاربة ضد المستعمر إلى درجة أن المغاربة يؤكدون أنهم رؤوا بأعينهم ذلك أو على الأقل يقسمون أن أبائهم وعائلاتهم أخبروهم أنهم رأوه حقيقة ، بل ظلت وسائل الإعلام الرسمية تؤكد ذلك حتى ليظهر لك أنهم يصدقون ما يقولون بكل حواسهم ، والراجح أن الكثيرين من مقدمي البرامج الوطنية الذين قدموا هدا الخبر ربما آمنوا بها .

 

 هل الدولة بكل هذا الغباء في عصر التكنولوجيا والعلوم واستكشاف القمر تؤمن بهذه الخرافات ؟ محمد الخامس كان يجب بناء كاريزماتيته على هذا النحو وأن يتم تسويق هذه الصورة بكل الأشكال التي تلائم المناخ الثقافي والسياسي العام ، والدليل هو العديد من المؤشرات التي بنت نفس اللغة كوحدة بنيوية متراكبة . والأمثلة في السياق كثيرة ، كحادثة الطائرة التي لم يزودها المستعمر بالوقود الكافي كي تسقط ، وعندما عرف محمد الخامس بالأمر وهم في السماء ، قرأ بعض الدعوات فامتلأ خزان الوقود .. هذه اللغة لم تكن تبتعد كثيرا على لغة الأولياء والصالحين والزوايا التي انبنت عليها سلطة الدول المتعاقبة على الحكم منذ مجيء الأدارسة حتى العلويين ، فسلطة القداسة والنسب الشريف والكرامات كانت شروط أساسية لاستمرار القائد . وبالطبع الدولة هي القائد والقائد هو الدولة . وإن كانت هده العوامل أخذ ت في التراجع في العهد الحديث للتطور الهائل للعلوم وتقنيات التواصل والاتصال إلا إنها بقيت تستعمل بين الحين والآخر في عهد الحسن الثاني كالدعوة إلى صلاة الاستسقاء بعد رصد الأحوال الجوية ، حيث عندما يتم التعرف على الأمطار وهي في طريقها إلى المغرب ، يدعو الملك المغاربة لصلاة الاستسقاء وتتم الصلاة فتسقط الأمطار بعد أيام قليلة

 

ولكن عموما فصورة الملك ولغته المختلفة عن لغة والده أخذت مستويات أخرى ومناحي عديدة كإبراز الذكاء الهائل واللهجة الصارمة والقبضة الحديدية حتى أصبحت اليوم يطلق على سنواته بسنوات الرصاص ، وطلعته مهيبة فأصبحت تروج في الأوساط الشعبية أن من يرى الملك مثلا لا يتمالك نفسه ويقفز على يديه يقبلها وذلك للنور الإلهي الذي يشع منه ، وآخرون يعزونها لعلاقاته بالسحرة …وطبعا تلك الصورة خلقتها اللغة التي كانت تبنى حوله، اللغة التي روجتها وسائل الإعلام وكل قنوات التواصل ، بلغة خطاباته ، بلغة المقررات في وزارة التربية الوطنية ، حتى أنهم كانوا يضعون في كتاب التربية الوطنية برنامج ولي العهد الذي يظهر أن الشخص أكثر من عبقري وكل وقته يصرف في تحصيل العلوم والفكر والتأمل ، وهو الأجدر أن يقود أي بلد في العالم ولا أحد سواه ولو كان الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك للبرنامج القاسي الذي يوضع له منذ نعومة الأظافر بدون لهو أو مضيعة للوقت…

 

المهم هو أن كل قائد عربي يحمل ألقابا بعضها منطقي والبعض الآخر مبالغ فيه ، كل قائد ترافقه لغة معينة ، لغة تحاول أن تستقر في أذهان الشعب كي تجعلهم منجذبين ، خاضعين ، غير متأكدين أحيانا في مشروعية ما بعانونه من ألم وقمع وبؤس .. لأن القمع وحده لا يكفي في استمرارية التحكم في رقاب الناس ، ويجب أن يكون للقائد أنصارا حتى من الطبقة المسحوقة ومن العبيد

 

محمد السادس ملك الفقراء : الوصف الأكثر التصاقا ، اللقب المتكرر في وسائل الاتصال الرسمية والغير رسمية ، اللغة التي ترسل إشاراتها إلى الشعب بتنقلاته المتكررة وزياراته العديدة إلى الكثير من المناطق ، باختلاطه بالشعب أحيانا

 

إن ملك الفقراء وهذا ما لم ينتبهوا إليه ، يحمل بشكل مباشر معنى أن المغاربة فقراء وسيظلون فقراء وأنه ما دام ملكا فهو ملك للفقراء وليس من حقهم أن يكونوا أغنياء ، وهذا صحيح من جهة فهم فقراء جدا وآلاف العائلات تعيش بأقل من دولار في اليوم ،أما الأغنياء فيمكن أن تقول أنهم ليسوا مغاربة أو بشكل دقيق هم لهم جنسيات ثانية وثالثة أو بإمكانهم الحصول على جنسيات أخرى في أقل من 24 ساعة ، جنسية تميز بينهم وبين الفقراء الذين يحملون فقط جنسية واحدة ،هؤلاء الذين قدرهم أن يعيشوا فقراء وعبيد بلا أمل في الحاضر أو المستقبل . وهذه إشارة لم ينتبه إليها من وضعوا للملك هذه اللغة ، فكل من يناضل أو يحلم أن يخرج من دائرة الفقر هو في الحقيقة كمن يناضل ضد الملك وضد سلطاته ، ولذلك من الواجب على الكل أن يعرف أن محمد السادس كان وسيبقى ملكا للفقراء لا غير ، إنه تصريح رسمي ضمني مذل للملك وللمغاربة على حد سواء . ألم ينتبهوا لذلك ؟ ألم يتمعنوا في الحمولة القدحية التي تحملها في طياتها ؟ أم أنهم انهزموا أمام سلطة اللغة المتمردة والتي لا تقبل أية سلطة أخرى .. هل تلك التي أرادوها أن تكون فضيلة للملك أصبحت فضيحة بالنسبة له . ربما على محمد السادس فتح تحقيق حول المعنى والمغزى الحقيقي من هذه الجملة أو على الأقل رفع الالتباس كي لا يذكر التاريخ بعد قرنين أو ثلاثة أنه كان ملكا للفقراء فقط الذين كانوا يعانون البؤس والجوع والحرمان والأمية والمعاناة ، وينسى ما خططه موظفو القصر اللغويون.

 

لنتأمل ما ترمي إليه مجازا رغبة وسائل الإعلام ، إنها تصبو أن تقدمه على أنه واحد من الفقراء ولا يختلف عنهم . وأنه يشعر بهم وأنهم موجودون كأشخاص وليس يدير الدولة فقط من أجل الأغنياء ، وأن المغرب هو مغرب الفقراء – ليس المكان الذي يسكن فيه فقط الفقراء- بل إنه مكان في ملكية الفقراء . وهدا مزج لغوي سيء وتشبيه يتعارض فيه المنطق مع اللغة وتناقض اللغة ذاتها . كأن أقول هذا الرجل غني فقير ، أو إنك طويل قصير . ربما شعريا في بناء قصيدة تساءل الوجود ومفتوحة على الممكن والاحتمالات لغة صحيحة ، لكنها ليست لغة سياسية وليست لغة واقعية وهذا هو الأدهى أنها لغة تتجاوز اللغة أي تهدم ذاتها وتهدم كل سلطة ممكنة ولا مكان في داخلها لشيء اسمه صواب أم خطأ . وبالتالي فهي معادية لكل أشكال النظام ، والنظام السياسي خصوصا . هل النظام السياسي الملكي المغربي يعادي النظام السياسي الملكي المغربي ؟ هذا غير وارد . إذن ، إلا إذا كان المغرب ببحاره ومعادنه وغاباته وصحراءه وجباله وثرواته يعتبرونه لاشيء وبلا قيمة ، أي امتلاك الفقراء له كعدمه . هذا غير صحيح أيضا. المغرب هو مغرب الأغنياء وعائلات معدودة على رأس الأصابع ، هذه العائلات تتحكم في كل شيء . أسماء الوزراء المتعاقبين على المغرب هم من تلك العائلات والمحتكرين للاقتصاد هم هؤلاء العائلات .

 

فأين المغرب الذي هو في ملكية الفقراء ؟؟؟ لماذا لا يعين الملك وزيرا فقيرا أو سفيرا فقيرا أو …. إنه مغرب الفقراء الذي يعني مغرب الفقراء . إنه مغرب أونا والشركات التي تنعم عليها أونا أي العائلات الغنية المقربة من محيط القصر . ولا نستغرب إذا رأينا أن وزراء حكومات المغرب تربطهم البنوة والقرابة بالدم والمصاهرة ، فهذا الوزير ابن الوزير السابق و هذا الوزير خال الوزير الآخر والآخر زوج ابنته وهكذا …لا نستغرب إن كل المناصب العليا والسفراء والمسؤولين هي من نصيب أفراد هذه العائلات المحظوظة ، أي تزداد غنى على غناها الفاحش .. أين كذبة الفقراء ، طبعا إنها لا تظهر إلا في التلفزيون وهم يوزعون عليهم في المناسبات السنوية قطرات قليلة من الحساء وبعض الدقيق الغير كافي حتى لأسبوع ، يوزعونه عليهم كأنهم شحاذون بينما يصرفون على الكاميرات التي تنقل تلك الوجوه البئيسة أضعاف ثمن ذلك الحساء والدقيق … لقد صرح وزير السياحة الدويري في البرلمان ذات مرة عندما اغتاظ وخرج عن اللياقة أن والده كان وزيرا وجده كان وزيرا أيضا كأن ذلك يشفع له قراراته … هذا هو مغرب الفقراء الذي يتحدثون عنه : شركة أونا التي يتحكم فيها ملك الفقراء التي تتحكم بدورها في الإقتصاد الوطني وفي المواطنين ، حيث تبني أرباحها على مص دماء المغاربة قطرة قطرة . فهي تهيمن على القطاع المصرفي والمعادن والصناعات الزراعية والصيد البحري والاتصالات والمواد الأساسية كالزيت والدقيق والحليب والسكر ..

 

وتستفيد من كثير من الإعفاءات الضريبية والامتيازات هي من يضرب عنق المواطن بغلاء الأسعار حتى أنها شكلت جبهة سياسية فقط ضد غلاء الأسعار في المغرب … والمرارة تأتي عندما تفرض الدولة على الفلاحين زرع الشمندر حتى يتمكنوا من السقي الذي هو بالأساس ثروة وطنية وليست حكرا على أونا ، الشمندر السكري الذي يبيعونه بالخسارة لشركة كوزيمار التي تتحكم فيها أونا حتى تتمكن من تحقيق أرباح خيالية . مما يفرض على الفلاحين زرعه حتى يتمكنوا من سقي باقي منتوجاتهم الأخرى في مساحات صغيرة وإلا سوف لن يستفيدوا من ساعات سقي تكفي لمنتوجاتهم . من يمص دماء الفلاحين البسطاء الذين يخسرون من أجل أن يتمكنوا من تحصيل لقمة عيش إن تمكنوا منها لأن عليهم تأمين أرباح كوزيمار أي أرباح أونا .. والأمثلة كثيرة

 

مغرب الفقراء الذي تمنح فيه إمتيازات سيارات الأجرة والنقل للأغنياء بما يعرف بالكريمات في المغرب من أجل أن يستغلوا الفقراء حتى العظم .

 

مغرب الفقراء الذي تمنح فيه رخص البارات للأثرياء فقط والكل يعرف كم مداخيلها الصافية يوميا
مغرب الفقراء الذي تصل فيه أجور بعض الموظفين المنحدرين من العائلات الثرية مع التعويضات إلى اكثر من مئة مليون سنتيم شهريا في حين عشرات الآلاف من العائلات تعيش بأقل من خمسين أورو شهريا
مغرب الفقراء الذي تصل فيه مصروفات القصر من اموال الشعب إلى مليون دولار في اليوم من أجل اللباس واشتراكات الجرائد والبنزين وأطعمة الحيوانات.. كما جاء في الكثير من الإحصاءات..

 

مغرب الفقراء الذي يسرق فيه المسؤولون الشعب الفقير أصلا دون حسيب أو رقيب..

 

مغرب الفقراء الذي تنفق فيه ملايير السنتيمات على بنزين ترفيه المسؤولين وزوجاتهم في حين أن سيارات الإسعاف لا تتحرك للإنقاد لأنها لا تملك عشرين أورو لملأ خزان وقودها ..

 

الحال ، أن الذين صنعوا لغة ملك الفقراء لملك غني ودولة غنية حفروا حفرة ووقعوا فيها ، والغريب أن وسائل الإعلام وكل المؤسسات الرسمية انساقت وراءها بالرغم من وجود مبدعين وشعراء ولغويين في صفوفها ،ربما ، لم ينتبهوا انهم يسيؤون للملك أكثر من مدحه . وهذا يذكرني بالأشعار التي كان يلقيها الشعراء في العهد الأموي والعباسي والتي تبدو كأنها مديح خالص ولكن سرعان ما يظهر أنها شتائم لاذعة وساخرة من الحاكم .

 

ربما عليهم إعادة النظر في مثل تلك الجمل التي تسيء لهم وللملك وللمغاربة.

محمد مقصيدي

Journalisme123@hotmail.com

12345...25